الصناعة التي لا يراها أحد

الصناعة التي لا يراها أحد



في كل صباح، قبل أن يستيقظ الناس، تعمل المصانع. لا أحد يفكر في هذا. تمد يدك لتأخذ ورقة، تفتح علبة، تستخدم منتجاً كانت خلفه آلات وعمال وقرارات صعبة. الحياة اليومية تعتمد على الصناعة بشكل كامل، لكن الصناعة نادراً ما تحتل مساحة في النقاشات العامة .هذا خطأ كبير.


العراق بلد نفطي بامتياز. والنفط نعمة تحمل في داخلها مشكلة عميقة: يجعل الناس ينتظرون بدلاً من أن يبنوا. تعتاد الدولة على دخل يأتي بلا عمل منظم، وتعتاد الأسواق على استيراد بدلاً من تصنيع. والنتيجة التي نعيشها: اقتصاد يستهلك ولا ينتج. لكن هناك أناساً اختاروا مساراً مختلفاً. بنوا مصانع في بلد كان يستورد كل شيء. واجهوا بيروقراطية، وأسواقاً غير منظمة، وتكاليف تشغيل مرتفعة، ومنافسة من بضائع مستوردة رخيصة التكلفة. ومع ذلك بقوا. لماذا؟ لأن من يبني مصنعاً لا يبني منتجاً فقط. يبني منظومة. يوفر وظائف. يُدخل تقنية. يبني قدرة محلية تبقى حتى بعد أن تتغير الأسواق وتتبدل الظروف.



المنتجات الصحية الورقية، مستلزمات الاستخدام اليومي: هذه ليست ترفاً. هي من الاحتياجات الأساسية التي إذا لم تنتجها محلياً، فأنت تدفع ثمنها دولارات تخرج من الاقتصاد إلى الخارج. كل علبة مستوردة تعني أن فرصة عمل ذهبت لبلد آخر. كل منتج يُصنع محلياً يعني أن جزءاً من هذا الاقتصاد صار حقيقياً. الأرقام تقول ذلك بوضوح: العراق يستورد ما يزيد على 80 مليار دولار سنوياً من السلع، ونسبة القطاع الصناعي غير النفطي لا تتجاوز 2 إلى 3 بالمئة من الناتج المحلي. هذا لا يعني أن الصناعة مستحيلة. يعني أن الفرصة ضخمة لمن يملك الجرأة.


الصناعة تعلم الإنسان ما لا تعلمه التجارة. في التجارة تشتري وتبيع وتحقق ربحاً سريعاً. الدورة قصيرة والنتائج واضحة. في الصناعة تتعلم أن كل شيء يحتاج وقتاً. الآلة تحتاج معايرة. العامل يحتاج تدريباً. المنتج يحتاج تحسيناً متواصلاً. لا يوجد ربح سريع، لكن يوجد بناء حقيقي. من يصبر على الصناعة يبني شيئاً يدوم.

القطاع الخاص الصناعي في العراق لا يحتاج تصفيقاً. يحتاج سياسات واضحة، وبنية تحتية تشغيلية، وحماية جمركية منطقية تحمي المنتج المحلي من الإغراق. يحتاج أن تتوقف الدولة عن النظر إلى الصناعي كمصدر ضرائب فقط وتبدأ في رؤيته شريكاً في التنمية. لكن في غياب كل هذا، يستمر من قرر أن يبني. لأن البناء في ظروف صعبة هو الدليل الوحيد على أن البناء ممكن أصلاً.



هذه المقالة ليست مديحاً لأحد. هي تذكير بأن الاقتصاد الحقيقي يُبنى بالآلات والعمل والقرارات الصعبة، لا بالانتظار. والصناعيون الذين يعملون في صمت كل يوم يستحقون أن يُرى عملهم.


 وليد النوري 

http://www.example.com/foo.html 2018-06-04