الاتقان فريضة غائبة


بقلم وليد الجنابي

نعيش في زمن كثر فيه الكلام عن الإتقان، وقلّ فيه الإتقان نفسه.نردد عبارات تُنسب للنبي صلى الله عليه وسلم دون أن نتثبت من صحتها، ونبني على الخطأ ثقافة كاملة. ومن أكثر ما يُتداول خطأً تلك العبارة الشهيرة: [ رحم الله امرأً عمل عملاً فأتقنه ] هذا اللفظ لا أصل له في كتب الحديث المعتمدة، وليس من كلام النبي.أما ما ثبت فعلاً، فهو أعمق وأصدق.قال النبي صلى الله عليه وسلم:{ إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه }رواه البيهقي في شعب الإيمان ، وصححه الألباني في صحيح الجامع.وقال صلى الله عليه وسلم:[ إن الله كتب الإحسان على كل شيء ]رواه مسلم.الإتقان في الإسلام ليس فضيلة اختيارية. هو أمر مكتوب، بتعبير النبي نفسه. والإحسان الذي كتبه الله على كل شيء يشمل العمل اليومي، الصغير قبل الكبير.يقول الله تعالى:{ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } البقرة: 195ويقول:{ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا } الكهف: 30المشكلة الحقيقية ليست في الجهل بهذه الآيات والأحاديث.المشكلة أننا نحفظها ولا نطبقها. نعلّقها على الجدران ونتجاهلها في العمل.الإتقان يعني أن تسلّم الشيء مكتملاً لا ناقصاً. أن تراجع ما كتبت. أن تعيد ما صنعت إن لم يبلغ ما ينبغي. أن تعتبر العمل الرديء خسارة لا إنجازاً.قرونٌ طويلة من الحضارة الإسلامية قامت على مبدأ واحد: أن ما تقدمه لله ولناسك يستحق أفضل ما فيك.الحرفي القديم في بغداد كان يعيد صياغة الفضة حتى يرضى. المعماري كان يقف أمام قوسه طويلاً قبل أن يوقّع عليه بإتمامه. العالِم كان يحرق ما كتبه إن لم يكن على مستوى ما يستحق القارئ.هذا هو الإتقان. ليس كمالاً مستحيلاً، بل مسؤولية واضحة.اليوم، حين نتثبت من صحة ما ننقله قبل أن ننشره، نكون قد بدأنا بالإتقان من أقرب نقطة إلينا.


http://www.example.com/foo.html 2018-06-04